
“أنا جوزي ملوش سنتين، وسابني لا حيلة ولا مال، لقيت نفسي فجأة مسؤولة عن طفل وإيجار شقة بيسحب اللي في جيبي أول بأول. حاولت أشتغل في البيوت زي ما قولتلك، بس اللي كان بيطلع مكنش بيكفي أكلنا وشربنا ومصاريف السكن، ولقيت نفسي ديماً مديونة.” سكتت لحظة وبصت لابنها “ياسين” وكملت: ـ “فكرت أشتغل في مصنع عشان المرتب يكون أحسن، بس لقيتني هسيب ابني لوحده طول النهار، ومكانش عندي حد أؤمنه عليه. وفي يوم، ابني كان هيضيع مني فعلاً بسبب زحمة المواصلات ونزولي الشغل، ومن وقتها قعدت في البيت وقلت البركة في القليل.”
نزلت راسها في الأرض بكـ,ـسرة وقالت: ـ “بس الدنيا مابترحمش.. صاحب الشقة لما لقى الإيجار اتأخر شهرين، مرعاش إني أرملة ومعايا طفل، ورمى عفشنا في الشارع وقفل الباب في وشنا. نزلت أمشي في الشوارع وأنا بعيط وبستنجد بأي حد، مكنتش عارفة أروح فين ولا أودي ابني فين في عز البرد ده.. وفي اللحظة دي، شفت وائل.” رفعت عينيها لخواطر وكأنها بتبرأ نفسها من تهمة الخـ,ـيانة:
“وائل هو اللي وقف لي، ساعدني وجاب لنا لقمة، ووعدني إنه هيسترنا. مكنتش بدور على حب ولا رفاهية يا ست خواطر، كنت بدور على سقف يلم ابني بعيد عن رصيف الشارع.. وصدقته لما قالي إنه بيعمل كده لله ولاء كملت كلامها وهي بتمسح دمـ,ـوعها اللي مابطلتش تنزل:
ـ “في الأول كان بيجي كل فترة يطمن علينا، يديني قرشين أمشي بيهم حالي أنا وابني، ويجيب لنا طلبات البيت.. بس الناس مابترحمش يا ست خواطر. العين بدأت تترصد له، والجيران بدأوا يتكلموا ويقولوا ‘مين اللي بيطلع ويدخل للست الأرملة دي في أنصاص الليالي؟’.. سمعتي بقت على كل لسان، وأنا ماليش ضهر أتحامى فيه.” بصت لخواطر بكـ,ـسرة وكملت:
ـ “وقتها هو جالي وقال لي إن كلام الناس كتر، وإن الحل الوحيد عشان يفضل يساعدني من غير ما حد يمس شرفي هو إننا نتجوز في السر. قالي ‘أنا شاري فيكي ثواب، وأهو يبقى سقف وحماية ليكي ولياسين’. وافقت وأنا حاسة إنه منجيّ بعته ربنا ليا من السما.” سكتت شوية وخدت نفسها بصـ,ـعوبة وكملت الحقيقة المرة:
“بس بعد الجواز بشهرين، كلامه بدأ يتغير.. قالي إنه نفسه في عيل، وإن أمله في الخلفة منك انقطع خلاص. وطلب مني نعمل ‘حقن مجهري’، وقالي ‘يمكن ربنا يرزقني منك بالولد اللي أتمناه، وأهو تبقي رديتي لي جميلي’. أنا دلوقتي حامل في ابنه يا خواطر، بس والله العظيم هو ما لمسنى ولا فكر يلمسنى وانا مش عايزه حاجه غير حد يساعدنى لحد ما ابنى يكبر شويه ووقتها اقدر اسيبه وانزل اشتغل
خواطر فضلت بصه لولاء، وبدأت ملامح الغـ,ـضب اللي كانت مرسومة على وشها تسيح وتحل محلها نظرة شفقة حقيقية. هي شافت قدامها ست فعلاً “تـ,ـعبانة”، ست الزمن جه عليها وما صدقت لقت “باب رحمة” اتفتح لها على إيد وائل. خواطر اتنهدت تنهيدة طويلة، وحست بصدق كلام ولاء لما قالت إن وائل ملمسهاش، لإنها عارفة وائل وعارفة قد إيه هو بيعزها، بس “الضنا” غالي، وهو حب يضرب عصفورين بحجر؛ يستر الولية الغـ,ـلبانة دي، ويجيب العيل اللي نفسه فيه من غير ما يكسر بيته الأولاني.
خواطر مدت إيدها ومسحت دمعة نزلت على خد ولاء وقالت بصوت هادي: ـ “خلاص يا ولاء.. اهدي. أنا مكنتش فاهمة الصورة كاملة، وغادة هي اللي شعللت الدنيا بكلامها السم.” ولاء بصتلها بامتنان وقالت: ـ “والله يا ست خواطر، وائل ده راجل مفيش منه، ده شايلني أنا وابني في عينيه، وكل اللي كان شاغل باله إنه ميزعلكيش.. كان ديماً يقولي ‘خواطر دي هي النفس اللي بتنفسه، ومقدرش أكسر بخاطرها’.”
خواطر حست بغصة في حلقها، بس المرة دي كانت غصة “ندم” إنها شكت في أصل وائل، وفي نفس الوقت “حيرة” من الوضع الجديد. قامت وقفت وفتحت الباب، لقت وائل واقف وساند ضهره على الحيطة، وعينيه مكسورة ومستني حكم الإعدام. خواطر بصتله وقالت بنبرة فيها عتاب ممزوج بحنية: ـ “كنت قولي يا وائل.. كنت قولي إنك عايز تستر الغلبانة دي وتعمل حقن مجهري، ليه تخبي عليا وتخلي غادة تنهش في لحمي قدام أهلك كلهم؟” وائل أول ما سمع صوتها هادي، قرب منها بلهفة ومسك إيدها وباسها:
ـ “كنت خايف يا خواطر.. خايف تفتكري إني شفت غيرك، أو إنك قصرتي في حقي. أنا مكنتش عايز غير إني أحميكي من وجع الدماغ، وفي نفس الوقت أعمل حاجة لربنا ولنفسي. والله ما حد ملى عيني غيرك، وولاء دي زي أختي الكبيرة، ومكاني عندها هو مجرد “سند” مش أكتر.”

