
بعد شهرين بالظبط، ورقة طـ,ـلاقي وصلتني على بيت أهلي في طنطا. وبعدها بشهر، الدنيا لفت بيا لما الدكتور الجديد طلب تحاليل محدش فكر فيها قبل كده.. قعدت في العربية قدام المعمل، ماسكة الظرف وأنا بترعش.. كلمة “إيجابي” كانت بتنور وتطفي قدام عيني زي الحلم.الکاتبه نور محمد
بس الصدمة الحقيقية كانت لما الدكتورة قالتلي وهي بتبتسم: “مبروك يا مدام نور.. ونقول ما شاء الله.. دول تلاتة.”
تلات توائم!
مرفعتش سماعة التليفون عليه. مش انتقام.. لأ، دي كانت غريزة بقاء. كنت عرفت من الناس إنه خطب “شيرين”، البنت اللي بتتصور في كل مكان وتضحك ضحكة صفرا وكأنها ملكت الدنيا. خفت ياخدهم مني، أو يرجعلي شفقة.. وأنا كرامتي فوق كل شيء.
حاولت أبني حياتي من جديد. نقلت القاهرة، اشتغلت في شركة حسابات كبيرة، واتعلمت إزاي أنام عشر دقايق بس وأنا حاضنة تلات ملائكة صغيرين.. “سيف”، و”حمزة”، و”تاليا”.
مرت تلات سنين زي البرق، بين حضانات وجري وشغل ولعب.
لحد ما جه يوم الخميس المشئوم. ظرف شيك، ورق مقوى، وريحة عطر غالية فاحت منه أول ما فتحته.
“هشام الأنصاري وشيرين عبد العزيز يتشرفون بدعوتكم لحفل الزفاف…”
وجوة الظرف، ورقة صغيرة مطوية بخط إيده اللي حفظاه صم:
“تعالي يا نور.. عايزك تشوفي العزوة والخير اللي خسرتیهم. ماتتأخريش، حاجزلك ترابيزة مميزة في الصف الأول عشان تشوفي كويس.”
قلبي وقع في رجلي. وقريت الجملة تاني.. حسيت بصدى صوته في ودني: “أنتي معيوبة”.
فجأة، سمعت دبدبة رجلين صغيرة وجري في الصالة: “مامي! مامي! شوفي عملنا إيه!”
خرجت لقيت سيف وحمزة وتاليا واقفين طابور، وشوشهم مليانة ألوان وشخبطة، وماسكين لوحة كرتون كاتبين عليها بخط معووج: “ب-ح-ب-ك يا مامي”.
إيدي بطلت تترعش. بصيت لهم، وبصيت للدعوة، وابتسامة خبيثة رسمت نفسها على شفايفي.
همست للدعوة: “ماشي يا هشام.. عايزني أجي؟ هجيلك.”
نزلت لمستواهم، ومسحت على شعر سيف الناعم اللي وارثه من أبوه، وبصيت في عيون تاليا العسلي اللي زي عيون أبوها بالظبط.
قلت لهم بحماس: “يا ولاد.. إحنا هنروح فرح بكرة.
حمزة بصلّي ببرائة وسأل: “فرح مين؟ وهنلبس بدل؟”
بلعت ريقي بصـ,ـعوبة، وقفت وعدلت ضهري بكل كبرياء: “أيوة يا حبيبي.. هنلبس أشيك لبس عندنا.. عشان ده أهم فرح هنروحه في حياتنا.”
لبست فستاني الأحمر الناري، ولبستهم بدل صغيرة وفساتين زي الأمراء. وركبت العربية وأنا عارفة حاجة واحدة بس..
أول ما هشام هيلمحني داخلة، وماسكة في إيدي تلات نسخ طبق الأصل منه.. الليلة اللي فاكرها ليلة عمره.. هتتحول لكابوس مش هيصحى منه..
وصلنا القاعة. الباب اتفتح.. والمزيكا كانت عالية.. بس أنا كنت سامعة دقات قلبي بتدق طبول الحـ,ـرب. أخدت نفس عميق، وشديت إيد ولادي.. ودخلنا.
أول ما دخلت القاعة… الإضاءة كانت بتلمع، والناس لابسة أفخم لبس، والضحك مالي المكان…
بس أول خطوة ليا جوا، حسيت كأن الزمن وقف.
الكعب بتاعي خبط في الأرض بصوت واضح…
واحد… اتنين… تلاتة…
وكل عين في القاعة بدأت تتلفت ناحيتي.
ماسكة إيد سيف في يميني، وحمزة في الشمال، وتاليا لازقة في فستاني…
تلات نسخ صغيرة منه… من هشام… مفيش حد ممكن ما ياخدش باله.
فجأة… المزيكا وِطِيت…
أو يمكن أنا اللي بقيت سامعة كل حاجة ببطء.
عيني جت في عينه.
كان واقف على المسرح… لابس بدلة سودة شيك… وابتسامته اللي كان دايمًا فاكرها سـ,ـلاحه… اختفت.
وشه شحب… حرفيًا شحب.
همس حاجة لـ شيرين اللي جنبه…
بصتلي… ومن بعدها بصت للأطفال…
والابتسامة بتاعتها اتكـ,ـسرت نصين.
واحد من المعازيم قال بصوت مش واطي كفاية:
“هو مش ده…؟!”
والهمهمة بدأت تكبر…
“شبهه أوي…”
“دول ولاده؟!”
“إزاي؟!”
أنا؟
كنت ماشية بثبات… وكأني داخلة مكاني الطبيعي.
وصلت للترابيزة اللي هو قال عليها… الصف الأول فعلًا.
ضحكت بيني وبين نفسي:
“حتى الإهانة… حضرها كويس.”
قبل ما أقعد… سيف شد في إيدي وقال بصوت عالي شوية:
“مامي… هو ده بابا؟”
القاعه سكتت.
سكتة تقطع القلب.
هشام نزل من على المسرح بسرعة… خطواته متلخبطة…
وقف قدامي… وبص للأطفال… وبعدين لي.
قال بصوت مبحوح:
“نور… إيه ده؟”
رفعت دقني… وبصيت في عينه مباشرة:
“دول العزوة… اللي قولتلي أجي أشوفها.”
الكلمة نزلت عليه زي الصفعة.
شيرين قربت، صوتها كان فيه رعشة:
“هشام… إيه الكلام ده؟!”
ما ردش.
حمزة بص له وقال ببراءة:
“إنت بابا؟”
هشام بلع ريقه…
وعينه دمعت لأول مرة أشوفها.
الناس بقت واقفة… مفيش حد بيأكل… ولا حد بيتكلم…
كلهم بيتفرجوا على المشهد.
أنا انحنيت لمستوى ولادي… وقلت بهدوء:
“يلا يا حبايبي… إحنا جينا وشفنا الفرح… خلاص نمشي.”
هشام مد إيده بسرعة:
“استني يا نور!”
وقفت… بس ما بصتلوش.
قال بصوت مكسور:
“دول… ولادي؟”
لفيت له ببطء… وابتسمت… بس ابتسامة وجع مش فرح:
“متأخر أوي على السؤال ده.”
ومسكت إيد ولادي… وخرجت.
وأنا ماشية… سمعت صوت خـ,ـناقة ورايا…
شيرين بتـ,ـصرخ…
والناس بتتكلم…
والمزيكا وقفت خالص.
ركبت العربية…
سيف قال: “مامي… هو كان زعـ,ـلان ليه؟”
بصيت في المراية عليهم… وابتسمت بحنان:
“عشان خـ,ـسر أحلى حاجة في حياته… ومكنش عارف.”
دارت العربية…
وسبت ورايا قاعة مليانة صدمة…
ورجل فهم متأخر… إن بعض الخساير… ما بتتعوضش أبدًا.